الرسالة المنتظرة

أوباما في القاهرة‏..‏ والرسالة المنتظرة
بقلم : د‏.‏ مصطفي علوي

كان الرئيس الأمريكي أوباما قد وعد بتوجيه رسالة إلي العالم الإسلامي خلال المئة يوم الأولي له في الحكم من خلال عاصمة إحدي الدول الإسلامية الكبري‏.‏ وفي أبريل الماضي وجه أوباما خطابا مهما من تركيا إلي العالم الإسلامي‏.‏ وقد اختارت الإدارة الأمريكية تركيا حينذاك تقديرا لتاريخها كمؤسس لامبراطورية حكمت العالم الإسلامي لست قرون‏,‏ ولاعتبارها نموذجا ناجحا للاصلاح الاقتصادي والديمقراطي‏,‏ وربما لكونها حليفا وثيقا في حلف الناتو‏.‏ ولكن البيت الأبيض أعلن بعد ذلك وعلي لسان متحدثه الرسمي أن الرئيس أوباما قرر أن يوجه خطابا إلي العالم الإسلامي من القاهرة وأن هذا الاختيار هو اختيار الرئيس نفسه‏.‏ ودلالة ذلك أن اختيار تركيا كان اختيار المؤسسة أما اختيار مصر فقد كان اختيار الرئيس نفسه‏.‏ ومعني ذلك أن أوباما قد راجع حسابات مؤسسته ورأي أن تركيا لم تكن المكان الأنسب لتوجيه خطابه التاريخي إلي العالم الإسلامي‏,‏ ذلك أن تركيا بالنسبة للعالم الإسلامي هي تاريخ أكثر من كونها حاضرا ومستقبلا‏,‏ وأنه رغم عظمة ذلك التاريخ فإنه ينظر إليه من جانب بعض المواطنين في بلاد إسلامية أخري كتاريخ استعماري‏.‏

والأهم من ذلك أن تركيا تحاول الاقتراب من أوروبا بالثقافة والاقتصاد والسياسة‏,‏ أو أن تصبح جزءا منها‏,‏ وهو ما يعني الابتعاد ثقافيا عن العالم الإسلامي‏.‏

ويعزز من هذا الشعور أن تركيا دولة عضو في حلف الناتو‏,‏ وهي الدولة غير الغربية الوحيدة التي تتمتع بعضوية ذلك الحلف الغربي‏,‏ وهو ما يبعدها نسبيا عن قلوب وأهواء شعوب دول إسلامية أخري‏.‏

أما مصر فهي ليست فقط‏,‏ بالنسبة للعالم الإسلامي‏,‏ تاريخيا‏,‏ بل هي حاضر ثقافي وسياسي‏,‏ وهي بلد الأزهر الذي تخرج فيه عدد كبير من نخب البلاد العربية والإسلامية المؤثرين في ثقافات وسياسات واقتصاديات هذه البلاد‏.‏ وبمصر جامعة القاهرة التي تعد الجامعة الأقدم والأعرق والأكبر والأكثر تأثيرا في تشكيل فكر النخب في البلاد العربية والإسلامية التي كان الكثير منها يفتقر إلي الجامعات فيذهب بعض أبناؤها إلي مصر ملتحقين بجامعتها المدنية الأكبر والأهم‏.‏ ومعني ذلك أن جزءا مهما من عقل وفكر البلاد الإسلامية قد تشكل في مصر‏,‏ ثم عاد إلي هذه البلاد ليحمل مسئولية بناء نهضتها وقيادتها علي طريق التنمية والتطور‏.‏

وقد أدهشني كثيرا قول بعض رموز المعارضة المصرية بأن مجيء أوباما إلي القاهرة يستهدف فقط دعم وتعزيز النظام المصري الذي ضعف وأفقد مصر دورها الإقليمي‏,‏ وهو قول خاطيء جملة وتفصيلا‏,‏ فمصر لم تفقد دورها الإقليمي‏,‏ والنظام والدولة في مصر لم يضعفا بل ازدادا تماسكا وقوة بتأثير من سياسات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي‏,‏ وهذه المقولة المغلوطة تطرح دائما تعبيرا عن موقف ايديولوجي استباقي لا صلة له بعلم ولا بحقيقة‏,‏ فحينما ذهب أوباما إلي تركيا قالت رموز المعارضة ذاتها انه ذهب إلي تركيا ولم يأت إلي مصر لضعف هذه الأخيرة‏,‏ وخفوت دورها وصوتها‏,‏ فإذا ذهب الرجل إلي بلد آخر قالوا إن مصر ضعفت‏,‏ وإذا جاء إليها رددوا هذا الكلام وهو ما يثبت خطأهم في التقدير‏.‏

زيارة أوباما إذن هي زيارة تاريخية بكل معني الكلمة‏,‏ ورسالته التي سوف يوجهها إلي العالم الإسلامي يوم‏4‏ يونيو المقبل يجب‏,‏ بل يتوقع‏,‏ أن تكون رسالة تاريخية مهمة‏,‏ فالرجل رئيس أكبر وأهم دول العالم وهو يملك كاريزما سياسية غير مسبوقة علي مدي نصف قرن من الزمان ولديه كذلك قدرة مؤسسية عالية جعلت تقديره لاختيار المكان الذي يخاطب منه العالم الإسلامي يفوق تقدير المؤسسة‏.‏ وبالإضافة إلي كل ذلك فإن أوباما يتمتع بقوة سياسية كبيرة قوامها أغلبية مريحة في مجلسي الكونجرس‏(‏ النواب والشيوخ‏)‏ وفي حكام الولايات وفي الفوز الكبير الذي أحرزه في انتخابات الرئاسة‏,‏ وفوق كل ذلك فإن التحالف الاجتماعي ـ السياسي في المجتمع الأمريكي قد تبدل جذريا‏,‏ وفقد التحالف القديم المؤلف من المحافظين الجدد واليمين المسيحي الصهيوني‏,‏ الذي كان السند الرئيسي لإدارة جورج بوش الابن‏,‏ فقد مكانه وتفكك وطال الفساد الكثير من رموزه وأسقطه المواطن الأمريكي في انتخابات هي الأهم في العقود الخمسة الماضية‏.‏ إن هذه الانتخابات حملت إلي مقاعد السلطة تحالفا اجتماعيا ـ سياسيا بديلا‏,‏

يقوم علي ليبرالية الفكر والحركة‏,‏ والانشغال بهموم المواطن العادي‏,‏ وليس الدفاع فقط عن مصالح الطبقة الغنية‏,‏ والاتجاه إلي معالجة الأضرار وحل المشكلات التي ترتبت علي ثماني سنوات من العداء للعالم بل وربما للمصالح الأمريكية نفسها‏.‏

فإذا كان الوضع كذلك فإن الرسالة المنتظرة من أوباما في القاهرة يتوقع أن تسعي إلي تغيير صورة أمريكا لدي العالم الإسلامي‏,‏ بل وإصلاح ما فسد منها بتأثير من سياسات بوش الابن‏.‏ ولذلك سوف تسعي رسالة أوباما إلي تكريس قيم القبول بدلا من الكراهية‏,‏ والسلام بدلا من الحرب‏,‏ والتعاون بدلا من العداء‏,‏ والشرعية بدلا من البلطجة‏.‏ إن التأكيد في رسالة أوباما علي هذه المنظومة من القيم الإيجابية الجديدة هو وحده الكفيل بتغيير وإصلاح صورة أمريكا لدي شعوب العالم الإسلامي‏.‏ وحتي يتحقق ذلك الهدف فإنه يلزم ألا يقتصر الأمر في هذا الشأن علي رسالته التي يوجهها إلي العالم الإسلامي من القاهرة‏,‏ بل يجب أن تترجم هذه الرسالة المنتظرة إلي حزمة من السياسات المتكاملة علي أرض الضفة وغزة‏,‏

وتوجيه الموارد والقدرات والأموال إلي مشاريع حقيقية للتنمية والبناء بدلا من إنفاق الأموال الباهظة التي بلغت في آخر عهد بوش أكثر من‏750‏ مليار دولار في العام الواحد علي الحرب وعسكرة الصراع‏.‏ ويجب أن يتم التأكيد في رسالة القاهرة علي إعطاء أولوية عليا للعمل الدبلوماسي والسياسي علي العمل العسكري كأساس لعلاقات التعاون والحوار والتشاور بدلا من الانفراد الأمريكي بالقرار‏,‏ ومن ثم بناء شرعية دولية حقيقية يشارك فيها الجميع بدلا من ممارسة بلطجة احتكار القوة والقرار‏.‏

رسالة القاهرة المنتظرة يجب أن تنطلق أيضا من مقولة أن الإسلام دين عالمي إنساني بطبعه وبمساهماته الحضارية الكبيرة في التطور الإنساني‏,‏ والاعتراف بخطأ التوجه السابق الذي كان يربط الإرهاب بالإسلام‏,‏ وهي منطلقات مهمة جديدة علي الفكر والسياسة اللذين سادا أمريكا في السنوات الماضية‏,‏ فأوباما حدد العدو في القاعدة وطالبان وليس في الإسلام ولا المسلمين‏,‏ وهو أمر من المهم التأكيد عليه في الرسالة المنتظرة‏.‏

الزيارة إذن مهمة بل وتاريخية‏,‏ ولكن الأهم هو استمرار القاهرة في العمل كمحرك نشط وفاعل للعلاقات الأمريكية الإسلامية فيما بعد الزيارة‏,‏ ووفقا لخطوط الحركة المذكورة في السطور السابقة‏,‏ ولا شك أن تحقق هذا الأمر يتطلب جهدا متصلا ومنسقا ليس فقط من الدولة بل أيضا من المجتمع في مصر في التعامل مع طرفي العلاقة ـ أمريكا والعالم الإسلامي ـ وبما يحقق ذلك الهدف‏.

الأوسمة: , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: