مـن الثــــورة إلـي الثـروة؟‏!‏
بقلم : د‏.‏ عبد المنعم سعيد

ربما كان الأستاذ محمد حسنين هيكل هو أول من أقام هذا التمييز بين أهل الثورة وأهل الثروة خلال السبعينيات علي طريقته في تلخيص أعقد القضايا في ثنائيات بسيطة مثل أهل الثقة وأهل الخبرة‏,‏ وهكذا تقسيمات مثيرة‏.‏ وعندما جاء الحديث عن الثورة والثروة كان علي سبيل نعي مرحلة قد انتهت وذهبت بعد عقدين من السيطرة علي الحياة المصرية في الخمسينيات والستينيات‏,‏ حيث هيمنت ثورة‏23‏ يوليو ليس فقط علي الحياة المصرية وإنما امتدت الي الحياة العربية وقيل أيضا العالم الثالث كله‏.‏ وساعتها مع منتصف السبعينيات كانت الثروة قد جاءت الي مصر من خلال سياسات الانفتاح الاقتصادي‏,‏ والي المنطقة من خلال حالة الوفرة التي جاءت مع ارتفاع أسعار النفط وتسلل بعض منها الي بلادنا مع العاملين في دول الفائض الاقتصادي البترولية‏,‏ وعندما طرحت الثنائية في ذلك كانت علي سبيل الحسرة‏,‏ ليس فقط لأن الثورة فيها الكثير من التضحية والنبل والشعارات والمشروعات المثالية‏,‏ أو لأن مصر كانت في قلب الثورة العربية الكبري الثانية خلال القرن العشرين‏,‏ ولكن لأن الثروة خلقت نوعا من الانتهازية السياسية‏,‏بالاضافة الي طبقة من المنتفعين‏,‏

وأكثر من ذلك فإنها غيرت من الأوزان الاستراتيجية في المنطقة حتي عرفت المرحلة بالحقبة النفطية التي أعطت لدول الخليج العربية من الثقل الاستراتيجي مالم يكن متوافرا قبلها بعقدين‏.‏

والمشكلة في هذه الثنائية‏,‏ مثل كل الثنائيات التي سبقتها ولحقتها‏,‏ أنها أسرفت علي نفسها في استخدام تعبيرات لا وجود لها علي أرض الواقع‏,‏ فلا الثورة كانت انقلابا في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية‏,‏ ولا الثروة كانت أكثر من وفرة في النقود والأموال والمشروعات دون تراكم رأسمالي حقيقي ينقل الدولة والمجتمع من حالة الي حالة أخري‏,‏ ومن عصر الي عصر آخر‏.‏ وبشكل من الأشكال فإن الثورة بقيت دوما كما كانت دائما تعبيرا عن حالة من السخط العام والغضب الشامل الذي ينتاب النخبة المثقفة في العالم الثالث علي أحوال العالم الذي يظل استعماريا وإمبرياليا وظالما في كل الأحوال‏,‏ وعلي الأحوال المصرية التي لايبدو لأصحابنا في النخبة أنها قابلة للتغيير‏,‏ واذا تغيرت فإنها لكي تكرس مصالح ومنافع‏,‏ وثروات لاتنقل المجتمع نقلة واحدة الي الأمام‏.‏ ومن يطالع القنوات التليفزيونية المصرية‏,‏ ويشاهد البرامج الليلية الواحدة بعد الأخري سوف يجد مباراة في مطاردة الفشل السياسي‏,‏ ومنافسة في متابعة التراجع الاقتصادي‏,‏ وهرولة نحو اكتشاف علاقة مريضة بين المال والسلطة رغم ان هذه الحالة كانت في أنقي حالاتها عندما كان القطاع العام مسيطرا علي اقتصاد البلاد‏
,‏ حيث اتحد الاثنان ـ الثورة والثروة ـ في سلطة مركزية واحدة تتحكم في رقاب البلاد والعباد‏.‏

وفي الحقيقة ان الثورة بمعني السخط والغضب العام والمتزايد والساخن بالعبارة والكلمة قد نزعت عن النقاش والحوار الوطني كل ماله علاقة بتحديث البلاد وتطويرها‏,‏ والثروةبمعني توزيع المال داخل المجتمع قد نزع عنها معناها في تحقيق التراكم الرأسمالي الذي هو الحلقة الأساسية في تطور المجتمعات وانتقالها من التخلف الي التقدم‏,‏ ونتيجة هذا وذاك كانت الثورة معناها العداء المستمر للغرب بصورة عامة‏,‏ وكانت الثروة معناها العداء المستحكم لجماعة رجال الأعمال أو الاستثمار في مصر‏,‏ وبهذه الطريقة اجتمعت الثورة والثروة بمفاهيمها التليفزيونية علي أن أفضل الأحوال بالنسبة للمحروسة أن تبقي علي حالها لأنه ليس معلوما من الذي سوف يستفيد من التغير القادم‏.‏ وعكس ذلك حالة من المعرفة المتواضعة بالتاريخ المصري وما جري فيه من تطورات خلال القرنين الماضيين والذي يشهد ان معظم التطورات الإيجابية الاجتماعية والاقتصادية فيه جاءت من خلال حلقات التحديث المتوالية في تبني المؤسسات الحديثة من الجامعة الي النقابة الي الحزب السياسي الي البنوك وغيرها‏,‏ ومن خلال عملية انتقال الملكية الي دوائر واسعة من الشعب المصري‏.

‏ وكان اجتماع هذا وذاك دائما ما أحدث نقلة نوعية في الدولة المصرية وجعلها في مقدمة الدول الحديثة في العالم الثالث حتي تم فك العلاقة بين المؤسسات والسوق‏,‏ ومن ساعتها بات التقدم بطيئا‏,‏ والتراجع سهلا‏,‏ وانتصر السخط علي الثورة‏,‏ والتوزيع علي الانتاج‏.‏

ومن المدهش أنه كثيرا ما جري الاستشهاد وبسهولة كبيرة مابين العصر الحالي والعصور السابقة علي ثورة يوليو‏,‏ وكان المثال دائما هو طلعت حرب ومشروعاته الاقتصادية والذي بات هو الصورة النقية والطاهرة للقطاع الخاص المصري في مواجهة الصورة المشوهة للجماعة الحالية من رجال الأعمال أو الاستثمار المصريين‏.‏ ومن المؤكد ان طلعت حرب كان تعبيرا عن عصره حيث بدأت أولي النقلات الكيفية في المشاركة الاقتصادية‏,‏ ومن بعدها السياسية مع الثورة العرابية‏,‏ عندما بدأت خصخصة الأرض المصرية بتمليكها للمصريين في عهد الخديو سعيد عام‏1855.‏ وربما كانت الخصخصة الثانية التي جرت للدائرة السنية عام‏1905‏ هي التي مهدت بعد ذلك لثورة‏1919‏ وظهور الرأسمالية الوطنية المصرية‏.‏ فالدائرة السنية كانت تمثل الأرض الزراعية المملوكة للدولة وقدرت مساحتها عام‏1877‏ بنحو‏435‏ ألف فدان وتم عرضها للبيع ـ أو الخصخصة ـ علي العاملين بها وكان من بينهم طلعت حرب الذي عمل منذ عام‏1889‏ كمترجم بالقسم القضائي ومن ثم حق له الحصول علي‏180‏ فدانا‏,‏ ولو أن مثل هذا حدث اليوم من توزيع للأراضي العامة لثارت أسئلة كثيرة‏,‏

وعلي الأرجح فإن الجهاز المركزي للمحاسبات لم يكن يقبل بمثل هذا التوزيع‏,‏ ولكن ماحصل عليه رجل الأعمال المثالي والذي تطور فيما بعد الي قرابة‏500‏ فدان من الثروة نتيجة ادارته الاقتصادية لمؤسسات متتابعة كان هو المقدمة الطبيعية لإنشاء بنك مصر وشركاته التي كانت ومازالت هي المثال الوحيد علي الرأسمالية المصرية النقية من كل سوء‏.‏

ولكن قصة طلعت حرب الفريدة لم تكن أبدا معلومة بكاملها للرأي العام‏,‏ ولو كان عصر الفضائيات والصحف الراهنة موجودا في مطلع القرن العشرين لما ولدت تجربة الاقتصادي المصري العظيم والتي تكونت من عدة روافد هامة كلها كانت سوف تتعرض للاستنكار في الوقت الراهن‏.‏ فالرافد الأول فيها جاء من تجربة ادارة الأراضي الزراعية المملوكة لكبار الملاك الزراعيين من أمثال عمر سلطان باشا الذي وقف مع الخديو توفيق والانجليز إبان الثورة العرابية‏,‏ أو بمعني آخر المحتكرين لملكية الأراضي الزراعية والمتعاونين مع المحتل الذين لو كانوا متواجدين في عالم اليوم لكانت فضيحتهم قد عمت برامج ماقبل وما بعد العاشرة مساء‏.‏ والرافد الثاني فيها جاء من قيادة طلعت حرب لعدد من الشركات المصرية الهامة مثل شركة كوم أمبو للانشاء العقاري واستصلاح الأراضي التي كانت تعمل في صعيد مصر والتي تركها عام‏1908‏ لكي يعمل رئيسا للشركة العقارية المصرية التي كانت تعمل في مصر كلها شاملة الدلتا‏.‏

والرافد الثالث جاء من خلال أصحاب هذه الشركات الذين كانوا مجموعة من العائلات اليهودية المصرية الغنية ـ عائلات سوارس وقطاوي ـ والتي كانت ذات صلات واسعة بالرأسمالية الدولية ممثلة في بنوك أوروبية كانت لديها القدرة علي توفير رءوس أموال طائلة لعمليات التصنيع والارتقاء الاقتصادي بشكل عام‏.‏ مثل ذلك الآن قد يكون مغريا بالاتهام بالتطبيع‏,‏ أو التحالف مع الرأسمالية العالمية وجر البلاد الي التحكم الاقتصادي الأجنبي‏,‏ ولكن الزعيم الوطني مصطفي كامل نشر مقالا في الأهرام في‏10‏ يوليو عام‏1910‏ جاء فيه اشادة بحضرة المقدام العامل محمد طلعت حرب بك لأنه بات أهلا للثقة لدي كبار الماليين اليهود‏,‏ ويعتبر ذلك ثقة عظيمة بهذا المصري الجليل الذي نسأل الله تعالي ان يهبنا الكثير من أمثاله‏.‏

هذه المعلومات كلها متوافرة في كتاب الدكتورة مني قاسم بنك مصر وطلعت حرب‏..‏ صفحات من التاريخ والذي نشره بنك مصر في عام‏2007‏ ودققه الدكتور طه عبد العليم نائب مدير مركز الدراسات الساسية والاستراتيجية بالأهرام‏,‏ وفيها يبدو طلعت حرب والنخبة المصرية في العموم مهتمة بعملية تحديث مصر من خلال اقامة المؤسسات‏,‏ وتراكم الثروة من خلال اقامة الصناعات‏,‏ وجمع بنك مصر في عام‏1920‏ بين العمليتين‏,‏ أيامها لم تكن إسرائيل قد قامت‏,‏ ومن ثم لم يجد هناك مشكلة في أن يكون يوسف قطاوي ويوسف شيكوريل أحد أعضاء مجلس الادارة‏,‏ ولم يجد احد مشكلة في أن يقود البنك انشاء الشركات المصرية الخاصة والمساهمة‏,‏ واقامة الصناعات من أول صناعة السينما وحتي الغزل والنسيج‏.‏

كان كل ذلك رائعا آنذاك لأنه من ناحية كان أول العمليات الشاملة لبناء الثروة المصرية وبعثها من جديد بعد قرون طويلة من الركود العثماني‏,‏ والتدخل الأجنبي‏,‏ وكان من ناحية أخري تعبيرا عن الوحدة الوطنية للمصريين مهما اختلفت دياناتهم وطوائفهم‏,‏ وكان من ناحية ثالثة انشاء للسوق المصرية الاقتصادية في ظل ظروف عالمية صعبة توالت عليها الضغوط بفعل الأزمة العالمية‏.‏ ولم يكن كل ذلك مختلفا كثيرا عما نواجهه الآن‏,‏ فلم يكن العصر ذهبيا كله‏,‏ وانما كان فيه ذلك النضال من أجل بناء الطاقة الاقتصادية المصرية لأنها الأداة الرئيسية لسعادة المصريين وقدرتهم علي مواجهة الآخر الذي لايريد بهم خيرا‏.‏ ولم يكن ذلك بأي معني مختلفا بصورة جذرية عن العملية التي تجري الآن‏,‏ ولكن الفارق أن أيامها كانت النخبة تعرف معني بناء الطاقة الانتاجية ومعاناتها‏,‏ ومعني تراكم الثروة والمصاعب التي تواجهها‏.‏ والحديث متصل علي أي حال‏.‏

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: