طالبان الأفغان

   
     
  “الشبكة الحديدية” .. هدية طالبان لأوباما محيط – جهان مصطفى

 
  عناصر من طالبان    

العملية العسكرية الواسعة التي بدأها أوباما في جنوبي أفغانستان منذ مطلع يوليو / تموز وأطلق عليها اسم “الخنجر” لم تخرج عما كان متوقعا ألا وهو الفشل الذريع ، فلا يمر يوم إلا ويسقط المزيد من جنوده بين قتلى وجرحى لدرجة جعلت الرئيس الأمريكي موضع تهكم وسخرية وسائل الإعلام داخل الولايات المتحدة وخارجها.

ولعل لغة الأرقام تؤكد حجم المأزق الذي أوجده أوباما وأسقط فيه قواته ،   ففي 18 يوليو / تموز ، أعلن الجيش الأمريكي عن تحطم مقاتلة “F-15 إيغل ” أمريكية شرقي أفغانستان ومقتل طيارين كانا على متنها .

هذا الحادث يأتي خلال أقل من أسبوع من تحطم مروحية تابعة لقوات الناتو في إقليم هلمند في 14 يوليو / تموز ، وفيما أعلنت طالبان عن مقتل 37 جندياً أجنبياً كانوا على متنها ، أعلن متحدث باسم الناتو عن مقتل ركابها وعددهم خمسة جنود فقط .

وتتزامن التطورات السابقة مع ارتفاع عدد قتلى قوات التحالف في أفغانستان خلال النصف الأول من يوليو/ تموز الجاري إلى 47 قتيلاً وهي أكبر حصيلة تتكبدها القوات الدولية خلال شهر منذ بدء الحرب في أفغانستان.

ووفقاً لإحصائية نشرتها شبكة ” سي إن إن ” الإخبارية الأمريكية ، فإن حصيلة القتلى الذين سقطوا خلال النصف الأول من شهر يوليو وتحديدا منذ بدء عملية “الخنجر” العسكرية توزعت كالتالي : 23 جندياً أمريكياً، و15 بريطانياً، وخمسة كنديين، واثنين من تركيا، وواحد من إيطاليا، إضافة إلى جندي بقوات حلف الناتو، لم يتم الإعلان عن جنسيته.

الخسائر الفادحة السابقة صدمت إدارة أوباما بشدة بالنظر إلى أنها كانت تعتقد أن زيادة عدد القوات وخاصة في معاقل حركة طالبان في الجنوب هو الحل لإعادة الاستقرار لأفغانستان ، إلا أن العكس هو الذي حصل وواجهت عملية الخنجر الفشل الذريع منذ البداية ، بل إن استراتيجية طالبان في الرد على عملية الخنجر والتي أطلقت عليها “الشبكة الحديدية”  كان لها الكلمة الفصل .

فمعروف أنه يشارك نحو أربعة آلاف جندي مارينز أمريكي إلى جانب 650 جندي أفغانيا وحوالى 350 جنديا بريطانيا في عملية “الخنجر” التي بدأت في مطلع يوليو / تموز وتعد أوسع عملية عسكرية منذ بدء الغزو في 2001  كما تعد الأكبر منذ تولي الجنرال الأمريكي ستانلي ماكريستال مهامه كقائد لجيوش التحالف في أفغانستان في منتصف يونيو/حزيران الماضي.

الهدف المعلن لهذه العملية هو بسط الأمن في مناطق الجنوب التي يسيطر على القسم الأكبر منها حتى الآن عناصر طالبان، وذلك تمهيدا للانتخابات الرئاسية في 20 أغسطس/آب المقبل ، إلا أن هذا الهدف لم يتحقق ، حيث أعلنت حركة طالبان عن شن هجوم مضاد في إقليم هلمند جنوبي أفغانستان أطلقت عليه “الشبكة الحديدية” ، وذلك ردا على عملية “الخنجر”.

خلال هذا الهجوم المضاد ، تقوم طالبان بإخلاء المناطق التي تنتشر فيها القوات الأمريكية ، ثم سرعان ما تشن هجوما مباغتا وتحاصرهم من جهات مختلفة ، مستخدمة في ذلك الكمائن والعمليات الانتحارية .

اعترافات وانتقادات

 
  أحد القتلى البريطانيين فى أفغانستان    

التكتيك السابق أجبر قائد هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الأدميرال مايكل مولن على الاعتراف في 16 يوليو بأن مسلحي حركة طالبان أفغانستان أصبحوا أكثر قوة وأفضل تنظيماً وأن القوات الدولية تواجه معارك صعبة جداً في هلمند .

وفي بريطانيا ، زادت حدة الغضب الشعبي من الخسائر المتصاعدة في صفوف القوات البريطانية بعد أن تجاوز عدد القتلى البريطانيين في أفغانستان للمرة الأولى عدد القتلى في حرب العراق ، حيث أن إجمالي خسائر القوات البريطانية في الحرب على أفغانستان بلغت 184 جندياً، مقابل 179 في حرب العراق.

وعلقت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية على الخسائر السابقة قائلة في مقال لها في 16 يوليو / تموز :” إذا كان الإرهاب مشكلة فلن نحلها في أفغانستان” ، موضحة أن أن الإستراتيجية البريطانية لمحاربة الإرهاب “خاطئة” وأن الحكومة البريطانية تخوض حربا لا يؤمن بها أكثر من نصف المواطنين البريطانيين وقد ألزمت نفسها أكثر من أي وقت مضى بتنفيذ ما تمليه واشنطن.

ويقول كاتب المقال أدريان هاملتون: “إن السياسيين البريطانيين لا يفهمون تماما الغرض من هذه الحرب ، والجانب الأكثر كآبة في هذه المسألة هو عدم قدرة النظام السياسي البريطاني على إدارة حوار حقيقي حول الأمر والمسؤولون يعمدون بدلا من مناقشة الأهداف المرجوة من الحرب إلى تبادل لاذع ومتزايد للتهم بشأن توفر المروحيات وعدد القوات على الأرض”.

ويوضح هاملتون أن القضايا المتعلقة بنقص المعدات والجنود وخطورة ذلك على المهمة البريطانية في أفغانستان تعتبر عوامل نقص وأن الإكتفاء بالحديث عنها وتبادل التهم لن يؤدي إلى إحداث تغيير في الوقت الحالي ، مشيرا إلى أن الحديث عن هذه العوامل صار جزءا من “لعبة إلقاء اللوم السياسية” التي تصلح لمشاحنات ما قبل الانتخابات لكنها لا تفيد في تحديد الغرض الذي توجد من أجله القوات البريطانية في أفغانستان.

وتساءل: “هل وجود القوات البريطانية بإقليم هلمند الأفغانى هو الوسيلة المثلى لتأمين الإنتخابات الرئاسية المقبلة ، وهل تستطيع هذه القوات إنجاز مثل هذه المهمة ؟”.

ويستشهد هاملتون في هذا الصدد بأرقام المخابرات البريطانية نفسها التي تقول إن “ثلاثة أرباع المخططات الإرهابية التي اكتشفت في بريطانيا كانت مرتبطة بباكستان وأن القليل منها فقط كان مرتبطا بأفغانستان”.

تهكم وسخرية

ومن جانبها ، نشرت صحيفة “الديلي تليجراف” البريطانية صورا كاريكاتورية لرئيس الوزراء البريطاني جوردون براون والرئيس الأمريكي باراك أوباما على شكل صبيين صغيرين يرتديان سراويل قصيرة ويركبان حصانا خشبيا ويمسكان سيوفا خشبية ، وبينما أخذ الحصان الخشبي ينحدر وسط الجبال بإتجاه لافتة لتحديد الإتجاه كتب عليها “أفغانستان- وزيرستان- باكستان” ، قال أوباما لبراون الذي يركب خلفه:” هل ظننت أنني سأتركك تبكي ، بينما هناك مساحة في حصاني تكفي شخصين”.

كما نشرت الصحيفة مقالا للكاتبة البريطانية ماري ريديل أكدت خلاله أنه لا ينبغي لأية أمة متحضرة إرسال أبنائها للموت بأفغانستان في سبيل تحقيق أهداف عسكرية غامضة ، حيث تسكب الدماء والأموال في حفرة سوداء ليس لها قرار.

وأضافت ريديل أن القوات البريطانية تتكبد خسائر بالأرواح لأهداف غير واضحة ، متهمة الحكومة البريطانية بعدم تجهيزها للقوات كما ينبغي.

وفي السياق ذاته ، نشرت صحيفة “التايمز” البريطانية رسما كاريكاتوريا  آخر يظهر براون هذه المرة وحده في أفغانستان وقد بدا متعبا وهو يجلس وحيدا تحت لوحة كتب عيها أفغانستان وقد أطل فوقه نسر وأخذ يقترب منه ثعبان.

وأوضحت الصحيفة أن الحرب البريطانية في أفغانستان تفتقر إلى استراتيجية واضحة وأنها غامضة الأهداف وتضع سمعة القوات البريطانية على المحك في ظل عدم تحقق وعود السياسيين في الغرب عموما إزاء هذه “الحرب العبثية”.

وقالت : “إن الأهداف التي يقاتل الجنود البريطانيون وغيرهم من القوات الأجنبية من أجلها في أفغانستان لا تزال مجهولة وإن الإرباك على المستوى الشعبي بشأن تلك الأهداف أجبر بعض الوزراء والمسؤولين على محاولة تقديم تفسيرات بشأنها”.

وأضافت ” أن من بين الأهداف التي سيقت هو حرمان تنظيم القاعدة من استخدام أفغانستان ملاذا آمنا مرة أخرى لعملياته الإرهابية التي قد تلحق الضرر بالأمن القومي البريطاني ، في حين أن القاعدة نقلت ثقلها ومركز عملياتها إلى باكستان إثر الإطاحة بحكم حركة طالبان في كابول عام 2001″.

وأشارت “التايمز” إلى أنه لا أحد في العالم قال إن طالبان تشكل تهديدا للمدن والبلدات البريطانية سوى الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في خطاب أدلى به قبل سنوات.

وقالت : “إن رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير كان قد حدد هدفا يتمثل في القضاء على زراعة وتجارة الهيروين في أفغانستان وقال إنه يهدد الشعب والأسواق البريطانية في حين أن الأموال التي منحت للأفغان لزراعة القمح والذرة والخضار إنما أنفقت دون جدوى في ظل استمرار حصاد الخشخاش بمعدلات عالية”.

وأضافت “أنه إذا كان من بين الأهداف البريطانية مساعدة الحكومة الأفغانية على فرض سيطرتها على إقليم (هلمند) الجنوبى وعدم تمكين طالبان من التشويش أو تخويف سكان المنطقة خلال الإنتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها 20 أغسطس القادم فإن الجنود يقولون إن المخاطر كبيرة وإنهم بالكاد يستطيعون حماية أنفسهم فضلاً عن تزايد أعداد القتلى بينهم”.

وفندت “التايمز” أقوال رئيسة مجلس العموم البريطاني هاريت هارمان بأن الهدف الحيوي للقوات البريطانية هو توفير المدارس لأطفال أفغانستان ، حيث أن “الأطفال الأفغان مازالوا يتلقون الدرس في فصول مؤقتة في الخيام وتحت حرارة الشمس في العراء”.

 
  جنود أمريكيون خلال عملية الخنجر    

وبدورها ، قالت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية: “يجب على جوردون براون رئيس الوزراء البريطاني أن يعيد التفكير بشأن مهمة قواته في (هلمند) في ظل مقتل أكثر من 12 عسكريا بريطانيا خلال الأيام الـ 12 الماضية”.

وتساءلت “فايننشال تايمز” في افتتاحيتها عما إذا كانت الإستراتيجية التي يتبعها الغرب عموما في الحرب صائبة وعما إذا كانت القوات البريطانية التي تمثل ثاني أكبر تعداد بعد نظيرتها الأمريكية في أفغانستان مجهزة بالمعدات اللازمة للمهمة ، مجيبة في الوقت نفسه بـ “لا” صريحة ، مؤكدة على أن “سمعة قوات المملكة المتحدة باتت على المحك”.

ومن جانبها ، أشارت صحيفة “الجارديان” البريطانية إلى أن رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون يستطيع حفظ ما تبقى من ماء وجه الجيش البريطاني عبر إقراره موعدا محددا للإنسحاب من أفغانستان.

ووصفت الصحيفة البريطانية التحالف العسكرى بين واشنطن ولندن فى أفغانستان بأنه “غارق في فوضى عارمة دون وجود بارقة أمل في إحراز أي نصر متواضع”.

وأضافت أن حجة الحرب في أفغانستان لا تختلف كثيرا عن العراق ، فكل الحروب الأمريكية المتميزة بمساندة بريطانية تهدف كما يقولون إلى جعل العالم مكانا خاليا من الإرهاب ، لكن واقع الأمر في أفغانستان ينفى هذا.

وأوضحت الجارديان أن وزير الدفاع البريطاني اليائس بوب إينسورث أقر هذا الواقع بقوله للجنود البريطانيين إن الإنسحاب لن يتم إلا بعد قضاء حكومة الرئيس الأفغانى حامد كرزاى على حركة طالبان واعترافه في الوقت ذاته بأن ذلك بعيد المدى إن لم يكن مستحيلا.

وأشارت إلى أن ما تحاول حكومة براون نشره حول حماية بريطانيا من الإرهاب “مهين” لذكاء البريطانيين لكون الإرهاب لا يحتاج لقاعدة كي ينطلق منها ، مشيرة إلى تحذيرات وكالة الإستخبارات البريطانية السياسيين من حدوث هجمات إرهابية فى بريطانيا نتيجة تدخلاتها العسكرية الخارجية ورغم أن وزراء حكومة براون على علم بذلك ، لكنهم مستمرون بالكذب.

وتابعت الجارديان بالقول: “إن صم آذان وزراء حكومة براون عن سماع حقيقة ما يجرى في أفغانستان يعود لإرتباط لندن بحلفها مع واشنطن التي تعيش بدورها حالة إنكار الواقع ، فخطة الرئيس الأمريكي تتلخص بزيادة عدد الجنود والعمليات الحربية”.

واستشهدت الصحيفة على صحة كلامها بما قاله ريتشارد هولبروك مبعوث أوباما إلى أفغانستان والذى يرى “فيتنام أخرى للولايات المتحدة فى أفغانستان ويرى حربا أهلية باكستانية لا تحمد عقباها نتيجة الوجود العسكري الأمريكي البريطاني”.

وأكدت “الجارديان” أن فكرة نشر الديمقراطية الغربية سقطت في أفغانستان والعراق وغيرها من البلدان وحل محلها الدمار والخراب والموت رغم الدعم العسكري والإنفاقات المالية الضخمة ، وانتهت إلى القول :” على بريطانيا أن تحذو حذو كندا فى تحديد موعد إنسحابها من أفغانستان في 2011 لإيقاف هدر دماء الجنود البريطانيين”.

الانتقادات السابقة تؤكد أن عملية ” الخنجر” وإن كانت تعتبر اختبارا حقيقيا على الأرض لاستراتيجية أوباما القائمة على زيادة عدد القوات الأمريكية في أفغانستان بنحو 17 ألف جندي ، إلا أن الفشل يصاحبها منذ البداية ويبدو أنه ليس من خيار أمام أوباما سوى الحوار مع طالبان لوقف دوامة العنف في تلك الدولة المسلمة التي باتت تعرف في التاريخ بأنها “مقبرة الإمبراطوريات” .

وهناك أمر آخر لايخدم أوباما ويصب في صالح طالبان ألا وهو قيام قوات الناتو بالقتل العشوائي للمدنيين الأفغان للتغطية على خسائرها هناك ، الأمر الذي يؤدي لمضاعفة الاستياء الشعبي ضد أمريكا والناتو والالتفاف أكثر وأكثر حول طالبان ، وبالتالي فإن زيادة عدد القوات الأمريكية لا يخدم واشنطن بقدر ما يخدم طالبان ، ففرصة صيدهم من قبل مقاتلي طالبان والأفغان الغاضبين ستكون أكبر كلما زاد عددهم وكثرت تحركاتهم.

الأوسمة: , , , ,

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: